محمد بن جعفر الكتاني

165

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ورحل إلى المشرق المرة الأولى ؛ فحج وجاور ، وأخذ به عن إبراهيم العلقمي ، وسالم السنهوري ، ويوسف بن فجلة الزرقاني ، ويحيى الحطاب ، والبدر القرافي . . . وغيرهم . ورجع لبلده بعد أعوام . ثم رحل إلى المشرق مرة ثانية عام أربعة وتسعين ، فأسر بيد النصارى ، وبقي عندهم في بلاء عظيم من الجوع والبرد والضرب والتكليف بما لا يطاق ؛ فافتداه منهم السلطان أبو العباس المنصور السعدي بعد ان استصرخه لفدائه برسائل نظما ونثرا ، وكان فداؤه له بما يعدل عشرين ألف أوقية ، وكانت مدة أسره نحوا من أحد عشر شهرا ؛ لأنه أسر يوم الخميس رابع عشر شعبان عام أربعة وتسعين ، وخرج من الأسر سابع عشر رجب من السنة التي تليها . وله - رحمه اللّه - تآليف عديدة ، نحو من أربعة عشر . وهي : " المنتقى المقصور على محاسن الخليفة أبي العباس المنصور " ، و " جذوة الاقتباس ، فيمن حل من الأعلام مدينة فاس " ، و " درة الحجال في أسماء الرجال " ، و " لقط الفرائد من لفاظة حضو الفوائد " ، و " غنية الرائض في طبقات أهل الحساب والفرائض " ، و " نيل الأمل فيما به بين المالكية جرى العمل " ، و " درة السلوك فيمن حوى الملك من الملوك " ، وشرحها ، و " الفتح النبيل بما تضمنه من أسماء العدد التنزيل " ، وفهرسته المسماة : " فرائد الصلاح " ، وتقييد على [ 134 ] جداويل الحوفي ، و " المدخل " في الهندسة ، ونظم تلخيص ابن البناء ، ونظم منطق السعد . . . إلى غير ذلك من المقيدات نظما ونثرا . وقد اعتمد من بعده من الأيمة الأثبات هذه التآليف ، وعولوا عليها ، وراج أكثرها بين يدي أبي العباس المنصور السعدي ، وتلقاها بالقبول . مع تضلعه في العلوم ، وكثرة ما بمجلسه من الأيمة الأعلام وحذاقهم . وولي - رحمه اللّه - القضاء بسلا ؛ فأقام به مدة ، ثم عزل عنه ؛ فلزم فاسا ، وصرف همته للتدريس . وآخر ما أقرأه بها : صحيح البخاري ؛ فكان يدرسه بجامع الأبارين ، ويحضره عيون الطلبة . وقارئه هو : الفقيه العلامة سيدي عبد الواحد ابن عاشر . وكان في هذه الختمة يجيز الحاضرين في آخر مجلس كل يوم ؛ لتحصل الرواية لمن سمع ولو حديثا واحدا حسبما عند المشارقة . قال في " الصفوة " : « ومن نظمه : فمن السحت عندنا ما رأينا * ثمن السحر ثم مهر البغي ثمن الجاه والرشا والكهانة * وذو وصف ما فاز منه بشي » . ه . وأخذ عنه الناس كثيرا ؛ كأبي العباس أحمد بن يوسف الفاسي ، وأبي العباس المقري ، وكان سافر لزاوية الشيخ الشهير ، العارف الكبير ؛ سيدي أبي بكر الدلائي ؛ فأقام عنده مكرما ، يقرئ بنيه مدة ؛ فانتفعوا به غاية ، ولا سيما أكبرهم وأشهرهم ؛ وهو : سيدي محمد . ثم من لدن رجع عنهم والشيخ سيدي محمد بن أبي بكر المذكور يتعاهده بتتابع الإكرام في كل عام ، إلى أن توفي قبله في صفر الخير عام خمسة وعشرين وألف . هكذا ذكر وفاته غير واحد .